السبت، 15 أغسطس 2009

لاكفر الابعد ايمان

من يتلبس بالكفر هو الكافر، والكافر هو: »من لزم الكفر والعصيان بعد الطاعة والإيمان...والكفر خلاف الإيمان ١) « ) ويقال: »كفر الرجل كفراً وكفراناً: لم يؤمن بالوحدانية، أو النبوة أوالشريعة، أو بثلاثتها...، والكافر من لا يؤمن بالله ٢) « )، وعلى هذا فالكافر يطلق على من كانعلى محجة الإيمان، ثم تنكب عن تلك المحجة، أو هو من لم يؤمن أصلاً، وذلك شريطة أن تكونرسالة الإيمان بالله قد وصلته، أما من لم تصله تلك الرسالة، أو يتعلق بها بسبب، فإن الصوابألا يطلق عليه لفظ كافر، إذ الكفر ضد الإيمان، فلا يوصف أحد بما هو ضد الإيمان، بينما الإيمانلم يصله أصلاً أو يدخل قلبه.ومن أجل ذلك وتأييداً له، فإن هناك عدداً من آيات القرآن تصف بعض الناس بالكفر، ولكنهاتؤكد أن هناك إيماناً قد دخل القلب، أي أنه لا كفر حادث وراهن، إلا بعد إيمان سابق وسالف، ومنتلك الآيات قوله تعالى: »يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوهم أكفرتم بعدإيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون « (آل عمران: ١٠٦ ).واقع الأمر، فإنه إن قيل : »كيف قال أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ حكي عن أُبيبن كعب أنه أراد به الإيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. يقول: أكفرتم بعدإيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم، وعن عكرمة:أنهم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروابه، وقال قوم: هم من أهل قبلتنا وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: هم أهل البدع ٣) وسواء أكان هؤلاء الذين رجعوا بعد إيمانهم كفاراً، أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم يوم الميثاق،أم المنافقين، أم أهل الكتاب، أم الذين من أهل قبلتنا، أم الخوارج، أم أهل البدع، فإن الذي وقع فيهكل هؤلاء هو كفر سبقه في الحقيقة إيمان، لذلك نعتوا بالكفر، فوصفهم الله به ورماهم بتلكالتهمة التي عاقبتها الخسار والبوار، ومن ثم يصدق القول: لا كفر إلا بعد إيمان.ونظير ذلك التقرير بالكفر الذي سبقه إيمان نراه أيضاً، ونقرؤه كذلك في قوله تعالى: »منكفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهمغضب من الله ولهم عذاب عظيم « (النحل: ١٠٦ )، هذه الآية تستثني من الحكم الذي قررته،وهو غضب الله وعذابه العظيم، الذي كفر مكرها، »عمار بن ياسر «، ولكنها في الوقت نفسهتقرر ذلك الحكم السابق في حق أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، أي إنها لا تصف أحداً بالكفرإلا بعد أن دخل الإيمان قلبه، أو َ مر عليه.ومن تلك الآيات أيضاً قوله تعالى: »الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النوروالذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلي الظلمات أولئك أصحاب النار همفيها خالدون « (البقرة: ٢٥٧ )، فالمقصود بالإخراج من النور إلى الظلمات، والإخراج من الظلماتإلى النور هو من الكفر إلى الإيمان، ومن الإيمان إلي الكفر، وفيما تقرره هذه الآية من الإخراج منالنور إلى الظلمات، أي من الإيمان إلي الكفر تقرير لما ذكرناه قبل ذلك من أنه لا كفر إلا بعد إيمان،إذ الكافرون إنما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات، والضلالات،، ويخرجهمويحيد بهم عن طريق الحق إلي الكفر والإفك، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.وعلى هذا المنوال أيضاً من الآيات التي لا تحكم بكفر إلا إذا سبق ذلك الكفر إيمان قوله تعالى:»قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطلوكفروا بالله أولئك هم الخاسرون « (العنكبوت: ٥٢ )، فالآية على هذه الشاكلة تجري مجري الآياتالسابقة من تأكيدها على الإيمان أولاً الذي يعقبه الكفر وي ُ ختم به، أي لا كفر إلا بعد إيمان، ومنثم أدرك هؤلاء الخسار والبوار.ومن الآيات التي يمكن أن تصب في الاتجاه نفسه »لا كفر إلا بعد إيمان «.، قوله تعالى: »قالوا بلىقد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن إنتم إلا في ضلال كبير « (الملك: ٩) فهؤلاءالذين كفروا بربهم وهم في عذاب جهنم، كلما ألقي منهم فوج فيها يسألهم خزنتها إن كانقد أتاهم من ينذرهم فيجيبون الخزنة أنهم أتاهم نذير لقنهم رسالة الهدى والإيمان، ولكنهمكذبوه في رسالته وكفروا بها، بل وادعوا أن الله لم ينزل شيئاً، وأن هؤلاء النذر في ضلال كبير،وما جاؤوا بحق.وهكذا، فمن حصيلة ما سبق من تلك الآيات وأشباهها أنه لا يوسم أحد بكفر إلا إذا ذاق الإيمانونبتت بذرته في قلبه، ثم تنكر له، واقتلع تلك البذرة قبل أن تؤتي أكلها ويستقر ذلك الإيمان،وكذلك لا يوصف أحد بكفر، طالما أن رسالة الإيمان لم تصله، ومن هنا كانت أهمية الدعوة إلىالإسلام، بحيث لا يبقى مكان في الدنيا إلا وتدخله، فذلك أمانة في عنق كل مسلم، إذ مناهتدى فلا بد من أن يهدي غيره.
١ - المنجد في اللغة والإعلام، ط ٣٦ ، دار الشروق ، بيروت، ١٩٩٧ م، ص ٦٩١ .٢ - المعجم الوسيط، مكتبة الصحوة، المنوفية (مصر) ص ٨٢٣ .٣ - تفسير البغوي »معالم التنزيل «، الجزء الرابع، ط ٣، دار طيبة للنشر والتوزيع، ١٩٩٥ م، ص ٨٨ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق