السبت، 15 أغسطس 2009

من لم يتعمد الكفر ليسى بكافر

وتبقي قضية الكفر والإيمان، وإن طال الحديث فيها قضية غيبية قلبية في علم الله - عزوجل - الذي يعلم ما في القلوب، وما تخفيه الأنفس كفراً وإيماناً؛ لذلك نجد أن من لم يتعمدالكفر ويعتقده اعتقاداً جازماً ليس بكافر، وإن فعل أفعال الظالمين، إذ قد يفعل أفعالاً كفرية،معتقداً سلامتها نظراً لأنه أخذها من ثقات يمثلون قدوة له في محيطه الذي عاش فيه، وذلكحق نجيزه لأنفسنا، إذ نقبل أن ننهل من علمائنا ومشايخنا. بينما ننكر ذلك الحق على غيرنا.وقد جاءت آيات قرآنية تدعم ذلك الاتجاه وتؤيده، منها الحوار الذي دار بين عيسى عليه السلاموربه في قوله تعالى: »وإذ قال يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دونالله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فينفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدواالله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهموأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم،قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداًرضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم « (المائدة: ١١٦ - ١١٩ ).يكشف ذلك الحوار عن القول الفصل في شأن عيسى عليه السلام مع قومه وذلك عبر عدةنقاط، أولها: أن الله عز وجل يذكر به؛ ليقيم الحجة على الكاذبين في أمر اتخاذ عيسى وأمهإلهين من دون الله، سواء الذين أسسوا ذلك القول كذباً، أم الذين رددوه كذبا، أم الذين رددوهاتباعاً.ثانياً: عيسى عليه السلام يبرئ ساحته من أقوال قومه باتخاذه وأمه إلهين من دون الله، إذأدبه ومنزلته لا ترقى لأن تجعل له مكاناً فوق طاقته.ثالثاً: عيسى يؤكد صدقه وتنصله مما ادعاه قومه بعلم الله الذي يعلم ما في نفسه، بينماعيسى لا يعلم ما في نفس الله - عز وجل -.رابعاً: إقرار عيسى بعبادته لله وأنه بلغ قومه بأن يعبدوا الله ربه ورب قومه.خامساً: عيسى شهيد على قومه مدة حياته، بينما وفاته جعلت الله - عز وجل - شهيداًعلى قومه، وعلى ما أتوا بعده.سادسا: عيسى يشفع لقومه بأدب، وذلك بتفويض أمر قومه إلى خالقهم، إن شاء عذبهم،وإن شاء رحمهم.سابعاً: الله يستجيب لشفاعة عيسى بقاعدة في أمر العبادة، وهي أن الصدق في النيةينفع صاحبه، بغض النظر عن صواب العبادة وصدقها، لذلك من أسس كذباً اتخاذ عيسى وأمهإلهين من دون الله والذين رددوا ذلك كذبا، هم الكافرون، أما الذين رددوا ذلك القول اتباعاً، فإنهمليسوا كفاراً، ويلزم في حقهم التوعية والتوجيه.

الله هو المسؤول عن حساب الناس

لم يخلق الله - عز وجل - الإنسان عبثاً واعتباطاً: »أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينالا ترجعون « (المؤمنون: ١١٥ ) وإنما خلقه لغاية شريفة وهدف نبيل، هو عبادته سبحانه: »وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون « (الذاريات: ٥٦ )، وخلال رحلة الإنسان على الأرض من صرخةالوضع إلى أّنة النزع يتعرض للاختبارات والفتن والامتحانات: »أحسب الناس أن يتركوا أن يقولواآمنا وهم لا يفتنون «. (العنكبوت: ٢).وفي أثناء رحلة الاختبارات والفتن على الأرض تعرض على الإنسان رسالة الهدى والإيمان علىأيدي رسل الله الذين تتابعوا في كل أمة خلت، وحتى آخر الأمم: »وما أرسلنا من قبلك منرسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون « (الأنبياء: ٢٥ )، وتقتصر مهمة رسل الله علىالتبليغ لرسالة الله، ويتولى الله مهمة الحساب على الأعمال، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر،وذلك الحساب ليس بعيداً، وإنما هو قريب، ليطمئن المظلوم ويرتدع الظالم: »وإمَّا نرينك بعضالذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها منأطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب « (الرعد: ٤٠ - ٤١ ).وذلك الحكم من أن حساب الخلائق متروك إلي الله وحده لا شريك له أكَّد عليه جميع رسلالله في سائر الأمم الخالية، فذلك نوح عليه السلام مثلاً يقرره، قاصراً الحساب على الله: »إنحسابهم إلا على ربي لو تشعرون « (الشعراء: ١١٣ )، وذلك الحساب الذي يتولاه الله لا غيره،يخوف الله به عباده الذين هم في غفلة عنه، لاهون، يلعبون: »اقترب للناس حسابهم وهم فيغفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم «(الأنبياء: ١ ، ٢)، فهو سريع يجزى فيه كل إنسان بما قدم: »ليجزي الله كل نفس ما كسبت إنالله سريع الحساب « (إبراهيم: ٥١ ).ولشدة يوم القيامة وهوله، الكل مشفق منه وخائف: »والذين يصلون ما أمر به أن يوصلويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب « (الرعد: ٢١ )، حتى الأنبياء يضرعون إلى الله أن يتجاوزعنهم فيه: »ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب « (إبراهيم: ٤١ ).وهكذا تتلخص القضية في أن الله خلق الإنسان لعبادته واختص بعض خلقه لتبليغ رسالةالهدى والإيمان، فمن اتبع الرسالة وآمن نجا وفاز، ومن لم يتبعها وكفر خسر وخاب، ولا يحكمأحد بكفر وإيمان إلا الله، كما أنه لا أحد يدعي خلق الإنسان إلا الله؛ لذلك هو سبحانه الذييعلم الكافر من المؤمن؛ لأنه أعلم بخلقه وأعرف بصنعته، وهو الذي يتولى الحساب، بعد أنأرسل رسله، مبلغين ومبشرين ومنذرين.

البلاغ على الرسول

منذ معصية آدم، وغواية الشيطان له، وتقرير العداء بينهما: »فأزلهما الشيطان عنهافأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلىحين « (البقرة : ٣٦ ) وعد الله - عز وجل - بنزول هدى، من يتبعه نجا وفاز، ومن كذب به خسر وخاب:»قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هميحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون « (البقرة: ٣٨ - ٣٩ ).وعلى هذا الوعد والنهج سارت البشرية من لدن آدم، وحتى مجيء آخر هدى على الأرض،ممثلاً في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن مراعاة من الله - عز وجل - لتفرق العالم،شرقاً وغرباً ويمنة ويسرة أرسل لكل أمة هدى »رسولاً« ليبلغ رسالة الله وهداه، وبنا ً ء عليه يقولالله - عز وجل - : »وإن من أمة إلا خلا فيها نذير « (فاطر: ٢٤ ) وقد يرسل الله - عز وجل - للأمةالواحدة أكثر من رسول كما حدث مع موسى وهارون عليهما السلام حينما أرسلا إلي فرعون،ومن ثم يناديهما الله - عز وجل - بقوله: »اذهبا إلى فرعون إنه طغى « (طة: ٤٣ )، وقد يكونالمرسل أكثر من اثنين، كما وقع لأصحاب القرية، وذلك ما يتجلَّى في قوله تعالى: »واضرب لهممثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إناإليكم مرسلون « (يس: ١٣ - ١٤ )، ومن ثم قد يتعاصر رسولان أو أكثر.وطالما أن تفرق العالم وكثرته وعدم توافر سبل الاتصال والمواصلات بينه يقتضي إرسالرسول، مبشراً ونذيراً لكل مة، فإن تقارب العالم وكونه قرية كونية صغيرة تتوافر فيها تقنياتالاتصالات والمواصلات بين أقطارها من شأنه ألا يقتضي ذلك التعدد، بحيث يكون المبشر والمنذرواحداً تُتم به الرسالات، وينضوي الجميع تحت رسالته، وذلك ما تمثل في محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم الأنبياء والرسل، وكان مثل اللبنة التي أتمت البيت، ومن كانترسالته عالمية، للإنس والجن »وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين « (الأنبياء: »: ،(١٠٧ ليكون للعالميننذيرا ٠ « الفرقان: »: ،(١ وما هو إلا ذكر للعالمين « (القلم: ٥٢ ).وبنا ً ء عليه، فهو صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته من لدن بعثته، وحتى قيام الساعة،وأمته من بعده شاهدة علي الناس: »لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً «(البقرة ٤٣ )، ومن مقتضيات شهادة أمته على الناس ولوازمها من بعده أن تواصل رسالته فيالتبليغ والدعوة لها في شتى أرجاء المعمورة، فتلك أمانة في أعناقها، يجب أن تضطلع بها،بحيث لا تبقى بقعة في الأرض إلا ووصلتها، ومن ثم يكون من رفضها من بعد أن وصلته قدبرئت الذمة منه، وعليه يتحقق أن البلاغ على الرسول: »وما علي الرسول إلا البلاغ المبين « (النور:٥٤ )، سواء في حياته، أو بعد مماته بما تركه من قرآن كريم، وسنة شريفة، وأمة شاهدة مبلغة

دور الأمة المحمدية

لقد جاءت الأمة المحمدية خاتمة للأمم وشاهدة عليها وخيرها، وهذه الخيرية تستوجب أن تكونصاحبة بلاغ وهداية، بحيث لا يكون دورها وقفاً على تصنيف الناس إلى فريق كافر وفريق مؤمن،فالصواب أن تقدم الهدى، فمن اهتدى فلنفسه وغيره، ومن أبى الهداية، فلا يلو َ منَّ إلا نفسه.في الحقيقة ليست هناك فائدة ترجى من تكفير الآخر ووصمه بالخطأ على طول الخط، فالكليعتقد أنه على صواب، وما دام ذلك على هذا النحو، فالأمثل والأجدر ألا توضع حواجز عدائيةبين البشر الذين هم أبناء آدم وحواء، إذ التناحر والتشاحن بينهم لا يصب في مصلحة أحد، بلعلى العكس يجر في طريقه إلى ويلات.واقع الأمر، إن كل واحد منا ارتبط ببيئته ونهل منها العلم والدين والمعتقد، والكل سالكذلك الطريق، ومن هنا يجب ألا نسفه هذا المسلك، بل يلزم أن يقَّوم، بحيث لا يوضع كل مخالفلنا في قائمة المصنفين بالكفر والخطأ.فإذا جرينا هذا المجرى الذي يحترم خصوصيات الآخر ويتفهمه وصلنا إلى وجود جسور من التفاهم، خاصة أنه ليس هناك داع شرعي لوجوب التناحر بين البشر، أو تحقق مصالح بشرية،أو مكاسب مادية من ذلك التناحر.وقد كرم الله - عز وجل - الإنسان بالعقل، ولكن أين استخدامه في البناء والتواصل، والتوددوزرع الرحمة والرخاء، وأين الفرح في بناء الآخر، لا هدمه، وفي إنقاذه من النار إلى الجنة وكيفتتحقق وحدة البشر مع خالقهم ضد العدو الحقيقي الشيطان، هذا فضلاً عن أين نحن منقوله تعالى: »وجادلهم بالتي هي أحسن « ، وأين نحن من قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم:»إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب «، وأين نحن من : »هل يستوي الأعمى والبصير «، وأين نحن من» : واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا «، وأين نحن من: »إن الشيطان لكم عدو فاتخذوهعدواً« إلى آخر هذه الأسئلة التي إن وجدت عقلاً واعياً يجيب عنها، فإن التواصل مع الآخر أياًكان سوف ُ تجنى من ورائه ثمرات تفاهم، لا تخاصم، وتعاون لا تقاتل، خاصة أن ذلك الآخر أياً كانفي حاجة إلى النصح والتوجيه والتصويب، فلا أحد يقدر على الجزم بأن الآخر سلك مسلكاًمخالفآ لمجرد عناد للحق وكفر به؛ لذلك علينا حسن النية، والتوجيه وإقامة الحجة وإبراء الذمةبالنصح، بحيث يكون من اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها، وهذا ما أُمرنا به.

لاكفر الابعد ايمان

من يتلبس بالكفر هو الكافر، والكافر هو: »من لزم الكفر والعصيان بعد الطاعة والإيمان...والكفر خلاف الإيمان ١) « ) ويقال: »كفر الرجل كفراً وكفراناً: لم يؤمن بالوحدانية، أو النبوة أوالشريعة، أو بثلاثتها...، والكافر من لا يؤمن بالله ٢) « )، وعلى هذا فالكافر يطلق على من كانعلى محجة الإيمان، ثم تنكب عن تلك المحجة، أو هو من لم يؤمن أصلاً، وذلك شريطة أن تكونرسالة الإيمان بالله قد وصلته، أما من لم تصله تلك الرسالة، أو يتعلق بها بسبب، فإن الصوابألا يطلق عليه لفظ كافر، إذ الكفر ضد الإيمان، فلا يوصف أحد بما هو ضد الإيمان، بينما الإيمانلم يصله أصلاً أو يدخل قلبه.ومن أجل ذلك وتأييداً له، فإن هناك عدداً من آيات القرآن تصف بعض الناس بالكفر، ولكنهاتؤكد أن هناك إيماناً قد دخل القلب، أي أنه لا كفر حادث وراهن، إلا بعد إيمان سابق وسالف، ومنتلك الآيات قوله تعالى: »يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوهم أكفرتم بعدإيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون « (آل عمران: ١٠٦ ).واقع الأمر، فإنه إن قيل : »كيف قال أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ حكي عن أُبيبن كعب أنه أراد به الإيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. يقول: أكفرتم بعدإيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم، وعن عكرمة:أنهم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروابه، وقال قوم: هم من أهل قبلتنا وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: هم أهل البدع ٣) وسواء أكان هؤلاء الذين رجعوا بعد إيمانهم كفاراً، أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم يوم الميثاق،أم المنافقين، أم أهل الكتاب، أم الذين من أهل قبلتنا، أم الخوارج، أم أهل البدع، فإن الذي وقع فيهكل هؤلاء هو كفر سبقه في الحقيقة إيمان، لذلك نعتوا بالكفر، فوصفهم الله به ورماهم بتلكالتهمة التي عاقبتها الخسار والبوار، ومن ثم يصدق القول: لا كفر إلا بعد إيمان.ونظير ذلك التقرير بالكفر الذي سبقه إيمان نراه أيضاً، ونقرؤه كذلك في قوله تعالى: »منكفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهمغضب من الله ولهم عذاب عظيم « (النحل: ١٠٦ )، هذه الآية تستثني من الحكم الذي قررته،وهو غضب الله وعذابه العظيم، الذي كفر مكرها، »عمار بن ياسر «، ولكنها في الوقت نفسهتقرر ذلك الحكم السابق في حق أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، أي إنها لا تصف أحداً بالكفرإلا بعد أن دخل الإيمان قلبه، أو َ مر عليه.ومن تلك الآيات أيضاً قوله تعالى: »الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النوروالذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلي الظلمات أولئك أصحاب النار همفيها خالدون « (البقرة: ٢٥٧ )، فالمقصود بالإخراج من النور إلى الظلمات، والإخراج من الظلماتإلى النور هو من الكفر إلى الإيمان، ومن الإيمان إلي الكفر، وفيما تقرره هذه الآية من الإخراج منالنور إلى الظلمات، أي من الإيمان إلي الكفر تقرير لما ذكرناه قبل ذلك من أنه لا كفر إلا بعد إيمان،إذ الكافرون إنما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات، والضلالات،، ويخرجهمويحيد بهم عن طريق الحق إلي الكفر والإفك، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.وعلى هذا المنوال أيضاً من الآيات التي لا تحكم بكفر إلا إذا سبق ذلك الكفر إيمان قوله تعالى:»قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطلوكفروا بالله أولئك هم الخاسرون « (العنكبوت: ٥٢ )، فالآية على هذه الشاكلة تجري مجري الآياتالسابقة من تأكيدها على الإيمان أولاً الذي يعقبه الكفر وي ُ ختم به، أي لا كفر إلا بعد إيمان، ومنثم أدرك هؤلاء الخسار والبوار.ومن الآيات التي يمكن أن تصب في الاتجاه نفسه »لا كفر إلا بعد إيمان «.، قوله تعالى: »قالوا بلىقد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن إنتم إلا في ضلال كبير « (الملك: ٩) فهؤلاءالذين كفروا بربهم وهم في عذاب جهنم، كلما ألقي منهم فوج فيها يسألهم خزنتها إن كانقد أتاهم من ينذرهم فيجيبون الخزنة أنهم أتاهم نذير لقنهم رسالة الهدى والإيمان، ولكنهمكذبوه في رسالته وكفروا بها، بل وادعوا أن الله لم ينزل شيئاً، وأن هؤلاء النذر في ضلال كبير،وما جاؤوا بحق.وهكذا، فمن حصيلة ما سبق من تلك الآيات وأشباهها أنه لا يوسم أحد بكفر إلا إذا ذاق الإيمانونبتت بذرته في قلبه، ثم تنكر له، واقتلع تلك البذرة قبل أن تؤتي أكلها ويستقر ذلك الإيمان،وكذلك لا يوصف أحد بكفر، طالما أن رسالة الإيمان لم تصله، ومن هنا كانت أهمية الدعوة إلىالإسلام، بحيث لا يبقى مكان في الدنيا إلا وتدخله، فذلك أمانة في عنق كل مسلم، إذ مناهتدى فلا بد من أن يهدي غيره.
١ - المنجد في اللغة والإعلام، ط ٣٦ ، دار الشروق ، بيروت، ١٩٩٧ م، ص ٦٩١ .٢ - المعجم الوسيط، مكتبة الصحوة، المنوفية (مصر) ص ٨٢٣ .٣ - تفسير البغوي »معالم التنزيل «، الجزء الرابع، ط ٣، دار طيبة للنشر والتوزيع، ١٩٩٥ م، ص ٨٨ .

الجمعة، 23 يناير 2009

مبتدع الكفر هو الكافر وعلية وزر من اتبعة

جريرة الكفر بالله وابتداعها من الأساس جريمة عقدية، تلحق من قال بها أولاً، وجاءت أفعالهموافقة لها، وحكم الله عليه، ولا معقب لحكمه، ولا يمكن أن يغادره ذلك الحكم بتوبة؛ لأن اللهيعلم ما وقع منه، وما هو واقع منه أيضاً مستقبلاً، لذلك قطع الله بكفره حالاً ومآلاً، وقد جاءمؤكداً في أصناف من الناس في أكثر من آية من آيات القرآن.أول هذه الآيات قوله تعالى: »لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملكمن الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السماواتوالأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير « (المائدة: ١٧ ).هذا القول الصادر من أهله: »إن الله هو المسيح ابن مريم « فيه من التجرؤ على الله ما فيه؛إذ يجعلون المخلوق خالقاً، والعبد النبي إلهاً خالقاً، إذ َ سووا بين الله - عز وجل - وبين أحد عبادهعيسى ابن مريم، ولعظمة الفرية وشناعتها استحقت أن يؤكد الله - عز وجل - في حقهاالرمي بالكفر الذي هو أعظم ذنب، مؤكداً بما لا يدع مجالاً لشك أو توبة في قابل الأيام، ولزيادةتأكيد ذلك الحكم وقطيعته ُ كرِّر مرة ثانية بجميع ألفاظه في موضع آخر: »لقد كفر الذين قالواإن الله هو المسيح ابن مريم « (المائدة: ٧٢ ).وعلاوة على الصنف الأول الذي ابتدع الكفر بالتسوية بين الله - عز وجل - وعيسى ابن مريمو ُ حكم عليه بالكفر، فإن هناك ضرباً كفرياً آخر أقره قوله تعالى مؤكداً أيضاً: »لقد كفر الذينقالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا اله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنَّ الذين كفروامنهم عذاب أليم « (الملمائدة: ٧٣ )، فإنه إن كان أصحاب الصنف الكفري الأول يسوون بين الله - عزوجل - وبين عيسى ابن مريم، فإن هذا الضرب الحالي من الكفر يجعل الله - عز وجل - واحداً من ثالوث، هو الأب والابن والروح القدس، أو الأب والابن والعذراء، وعلى ذلك الضلال يرد جل جلاله،مبيناً وحدانيته: »ومن من إله إلا إله واحد «، مذيلاً بتأكيد كفرهم، ومختوماً بالتهديد بعذابأليم: »وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم « (المائدة: ٧٣ ).كذلك، هناك مبتدعون لكفر، تمثل في التفريق بين الله ورسله عن طريق الإيمان ببعض الأشياءوالكفر ببعضها الآخر وفق الأمزجة، بحيث يكون لهم طريق آخر على غير نهج الله - عز وجل- ورسله، في حين أن الدين اتباع، لا مكان فيه للابتداع، ومن هنا استحق هؤلاء الحكم عليهمبالكفر والتهديد بالعذاب المهين، وقد ظهر ذلك جلياً في قوله سبحانه: »إن الذين يكفرون باللهورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوابين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً « (النساء: ١٥٠ - ١٥١ ).وناهيك عما مضى، فلم يقف ركب الكفر عند حد، فقد اخترق الحدود وتجاوز السدود إلى أنيصل إلى التطاول على الذات الإلهية كذبا، أو يكذب برسالة الحق والهدى حين تأتيه في ظلمما بعده ظلم، وهؤلاء وأولئك يحكم الله بكفرهم ووجود مقامهم جاهزاً في النار، وذلك ما قررهقوله تعالى: »ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوىللكافرين « (العنكبوت: ٦٨ ).ومهما يكن من أمر، فإن مسؤولية من كفَّره الله، بسبب ما اجترحه في حق الله، وفيحق رسله، بل وفي حق نفسه لا تقف عند ذنبه هو بالكفر، ومن ثم خلوده في النار، وإنما تمتدالمسؤولية إلى أبعد من ذلك، حتى يحمل ذنب من اتبعه، بحيث يحمل أوزاراً مع أوزاره وأثقالاً معأثقاله؛ فمن َ سنَّ سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولذلك تلزم توعيةهؤلاء المتابعين وتبصيرهم بالطريق الصحيح، طريق الله - عز وجل - والإيمان به، ولا نكتفيبمجرد تصنيفهم في قائمة الكافرين ووصمهم بالكفر، فذلك لا يجدي فتيلا، ولا ينفع بكثيرأو قليل.

الشيطان العدو الحقيقي

إن الأخوة الإنسانية بين جميع بني آدم من أبجدياتها ومقتضايتها عدم العداء ونشر السلاموالإصلاح بين الجميع، إذ في الحقيقة ليس هناك عداء بين الإنسان وأخيه الإنسان لأن أصلهماواحد، وإن كان هناك عداء، فهو عداء عارض قد يتحول إلي محبة، إذ وارد أن يتحول العدو حبيباً والمخالف موافقاً، وذلك حين تزال أسباب العداء والمخالفة، وتحل أسباب المحبة والموافقة، وإذا كانذلك كذلك، فإن العداء الحقيقي والدائم والذي تأصل من لدن خلق آدم، وحتى يومنا هذا، وإلىقيام الساعة، هو العداء بين الإنسان والشيطان، وقد تجلت جذور ذلك العداء من لدن حسدالشيطان واستكباره عن السجود لآدم ومخالفة أمر ربه وترصده لآدم وذريته بالغواية كما غوى، وذلك ما تؤكده الآيات في قوله تعالى: »وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاإبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلي يوم القيامةلأحتنكن ذريته إلا قليلا، قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفززمن استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولادوعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا « (الآيات: ٦١ - ٦٤ ).وهذا العداء من الشيطان للإنسان يحذرنا منه الله - عز وجل - كثيراً في كثير من من الآيات،مثل قوله: »إن الشيطان للإنسان عدو مبين « (يوسف: ٥)، وقوله : »إن الشيطان كان للإنسانعدوا مبيناً « (الإسراء: ٥٣ ) وقوله: »وكان الشيطان للإنسان خذولا « (الفرقان: ٢٩ ) وقوله ناصحاً:»إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا « (فاطر: ٦) وقوله مذكراً: »ألم عهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان « (يس: ٦٠ ).وعلاوة على ذلك، فإن الله - عز وجل - يحذر عباده من كل ما يتعلق بالشيطان حتى خطواته واقتفاء أثره، وذلك في قوله تعالى: »يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبعخطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر « (النور: ٢١ ).ومن قبيل تحذير الله - عز وجل - من اتباع الشيطان والسير في ركابه وعيده جل جلالهبجهنم لكل من سولت له نفسه واتبع طريق الشيطان، وذلك في قوله تعالى: »قال اخرجمنها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين « (الأعراف: ١٨ ).وهكذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الناس إخوة، ينعمون فيما بينهم بالأخوة الإنسانية،ويستظلون بها، وإن اختلفوا، وذلك وارد، فإن المحبة سرعان ما تقتلع جذور الكراهية وتحل محلها،أما الاختلاف الدائم والكراهية الأبدية السرمدية، والعداء المتأصل منذ بدء الخليقة، وحتى يرثالله الأرض ومن عليها، فذلك في علاقة الشيطان بالإنسان فالشيطان هو العدو الحقيقي للإنسان، ومن ثم يحذر الله - عز وجل - بني آدم ويذكرهم بسابق غوايته لآدم: »يا بني آدم لايفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنهيراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون « (الأعراف:٢٧ ) اذن من المفترض بدل قول الكره والعداء لاحد من ابناء آدم عليه السلام علينا ان نصحح المسار لتقارب للفوز باجر النصح والهدايه للحق وان لانكون سببآ في العداء والتناحر الذي يصب في مصلحت الشيطان وحدة . وطبعآ هذا الموضوع لنقاش . وعلينا ان نتخيل لو بعثنا يوم القيامه وفي ميزان اعمالنا هدايه اسرائيلي او امريكي على يدينا اليسى افضل من رئية العداء والقتل وعدم النصح في اعمالنا يوم الحساب ايهما تختار كنت سببآ لدخول اسرائيلي لدين الاسلام او كنت سببآ في استمراره على دين ولى وانتهاء هذا والله اعلم